كتابة · الثقافة بالذكاء الاصطناعي

الثقافة بالذكاء الاصطناعي في التعليم العالي: ماذا نُعلّم فعليًا

← كل المقالات

تقع معظم جلسات «الثقافة بالذكاء الاصطناعي» في الحرم الجامعي في أحد فخّين. فإمّا أن تتحوّل إلى عرضٍ لتلقينات ذكية ينساها الجميع في الأسبوع التالي، وإمّا أن تصير تحذيرًا من الانتحال يترك الناس أكثر قلقًا دون أن يزيدهم قدرة. ولا واحد منهما يُعلّم الثقافة الحقيقية. فالثقافة هي القدرة على استخدام الأداة استخدامًا جيدًا، والحكم على متى يمكن الوثوق بمخرجاتها، ومعرفة متى يجب تركها جانبًا.

لقد درّبت أعضاء هيئة التدريس والموظفين على الثقافة بالذكاء الاصطناعي، والنسخة التي يبقى أثرها أضيق وأكثر عملية مما يتوقع الناس. فأنت لا تحتاج أن يفهم الجميع كيف يُدرَّب النموذج، بل تحتاج أن يبنوا مجموعة صغيرة من العادات التي سيستخدمونها فعلًا بعد ظهر أي يوم عادي. وهذا ما يستحق التدريس.

ابدأ بنموذج ذهني عملي، لا بالرياضيات

يتخذ الناس قرارات أفضل حين تتكوّن لديهم صورة تقريبية عمّا تفعله هذه الأدوات. والنسخة المفيدة تتّسع لها جملة واحدة: نموذج اللغة يتنبّأ بالنص المرجَّح استنادًا إلى أنماط تعلّمها من كميات هائلة من الكتابة، فهو فصيح بحكم تصميمه، ودقيق بمحض الصدفة فقط.

هذه الفكرة وحدها تفسّر معظم السلوك الذي يحيّر الناس. فهي سبب قدرة روبوت المحادثة على كتابة فقرة سلسة مع اختلاق مرجع في الوقت نفسه. وهي سبب ظهوره بالثقة ذاتها سواء أصاب أم أخطأ. وحين يستوعب الزملاء أنه «فصيح لا واقعي»، يكفّون عن معاملة الإجابة المرتّبة على أنها صحيحة، وهذا أهمّ تحوّل يمكنك تعليمه.

الهدف ليس جعل الناس يرتابون بالذكاء الاصطناعي، بل نقلهم من «يبدو صحيحًا» إلى «دعني أتحقق من الجزء المهم».

علّمهم أسئلة قليلة، لا قائمة قواعد

تَبلى القواعد مع تغيّر الأدوات، أمّا الأسئلة فلا. ومجموعة قصيرة من الأسئلة يطرحها الناس على أي مخرَج للذكاء الاصطناعي تنتقل جيدًا عبر الأدوات والسنوات:

أربعة أسئلة تكفي. الناس يتذكّرون أربعة، ولا يتذكّرون أربعة عشر.

اجعل قاعدة «لا تلصق ذلك» ملموسة

يستحق سؤال البيانات وقفةً خاصة، لأنه الموضع الذي تسوء فيه النوايا الحسنة أسرع من غيره. فموظفٌ حسن النية يلصق رسالة طالب، أو مسودة مخطوطة، أو جدول بيانات لردود استبانة في روبوت محادثة عام ليوفّر خمس دقائق، دون أن ينتبه إلى أن المادة قد غادرت لتوّها سيطرة المؤسسة.

الاختبار الذي أعطيه للناس بسيط: هل كنت سترتاح لو ظهر هذا النص على الإنترنت المفتوح؟ إن كان الجواب لا، فلا يذهب إلى أداة عامة. ولمثل هذه المواد تحتاج المؤسسة إلى خيار خاص مستند إلى المستندات بدلًا من ذلك، وهو حديث منفصل عن البنية التحتية، لا شيء يستطيع فرد إصلاحه في اللحظة. وتسمية هذا الحدّ بوضوح في ورشة يمنع من الضرر أكثر مما يمنعه أي ملف سياسات لا يقرؤه أحد.

تدرّب على عمل حقيقي، داخل القاعة

لا تنتقل الثقافة بالذكاء الاصطناعي من الشرائح، بل من الممارسة. فالجلسات التي تُغيّر السلوك تقضي معظم وقتها في تدريب عملي على مهام يمتلكها الناس فعلًا: تلخيص تقرير طويل، صياغة معيار تقييم، تحويل ملاحظات مبعثرة إلى مخطط، مقارنة وثيقتَي سياسات. ولكلّ منها النمط نفسه: جرّبه، ثم تحقّق منه، ثم تحدّث عن المواضع التي ساعد فيها والمواضع التي ضلّلك فيها بهدوء.

وتلك الخطوة الأخيرة هي الأهم. فحين يضبط أحدهم النموذج وهو يختلق مصدرًا أو يطمس فارقًا مهمًا، ويضبطه بنفسه أمام القاعة، يترسّخ الدرس على نحو لا تضاهيه أي شريحة تحذيرية.

عالِج التخصصات والأدوار كلًّا على حدة

الورشة الموحّدة تقصّر في حق الجميع. فمدرّس الكتابة القلق من استخدام الطلاب، ومسؤول المنح الغارق في نصوص المقترحات، وأمين المكتبة الذي يتلقى أسئلة البيانات، لكلٍّ منهم حاجات مختلفة. لست مضطرًا لبناء منهج منفصل لكلٍّ منهم، لكن ينبغي أن تستبدل الأمثلة بما يناسب القاعة. تبقى العادات الجوهرية كما هي، أمّا المهام التي يتدرّبون عليها فينبغي أن تكون مهامهم.

كيف يبدو «النجاح»

لا تقِس برنامج ثقافة بمقدار حماس الناس وهم يغادرون، فالحماس يتلاشى. قِسه بما يفعلونه بعد ذلك: هل يتوقفون قبل لصق نص حساس، وهل يتحققون من ادعاء قبل تمريره، وهل يستطيعون أن يخبروك لماذا تناسب مهمة بعينها الذكاء الاصطناعي أو لا تناسبه. تلك العادات الهادئة، متكرّرةً عبر الحرم الجامعي، هي المقصد كله.

الخلاصة

الثقافة بالذكاء الاصطناعي في التعليم العالي ليست موضوعًا تقنيًا، بل موضوع حُكمٍ يرتدي زيًّا تقنيًا. علّم نموذجًا ذهنيًا واضحًا، وحفنة من الأسئلة الراسخة، وخطًّا حازمًا حول البيانات الحساسة، وكثيرًا من الممارسة العملية، تُعطِ الناس ما هو أفضل من الحماس: القدرة على أن يقرّروا بأنفسهم، حالةً بحالة، إن كانت الأداة أمامهم تساعدهم فعلًا أم أنها فقط تبدو كذلك.


سماح الشريف، دكتوراه

عالمة بيانات في الذكاء الاصطناعي ومتخصصة في الحوسبة البحثية. أُدرّس الثقافة بالذكاء الاصطناعي وأبني أنظمة ذكاء اصطناعي خاصة وبيانات بحثية للجامعات. تواصل معي ←